السيد علي عاشور
152
موسوعة أهل البيت ( ع )
قد ملأت الأفق ، وفتح لها باب من الجنّة ، ومهّد لها مهاد من مهاد الجنّة ، وبعث إليها بريحان من رياحين الجنّة ، فهي في روح وريحان وجنّة نعيم ، وقبرها روضة من رياض الجنّة « 1 » . وعن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين ، جاء علي إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا أبا الحسن ما لك ؟ قال : أمّي ماتت ، قال : فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : وأمّي واللّه ، ثمّ بكى ، وقال : وأمّاه ، ثمّ قال لعليّ عليه السّلام : هذا قميصي فكفّنها فيه ، وهذا ردائي فكفّنها فيه ، فإذا فرغتم فآذنوني ، فلمّا أخرجت صلّى عليها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم صلاة لم يصلّ قبلها ولا بعدها على أحد مثلها ، ثمّ نزل في قبرها فاضطجع فيه ، ثمّ قال لها : يا فاطمة ! قالت : لبّيك يا رسول اللّه . فقال : فهل وجدت ما عد ربّك حقّا ؟ قالت : نعم فجزاك اللّه خير جزاء ، وطالت مناجاته في القبر ، فلمّا خرج قيل : يا رسول اللّه لقد صنعت بها شيئا في تكفينك إيّاها ثيابك ، ودخولك في قبرها ، وطول مناجاتك ، وطول صلاتك ، ما رأيناك صنعته بأحد قبلها . قال : أمّا تكفيني إيّاها فإنّي لمّا قلت لها : يعرض الناس يوم يحشرون من قبورهم عراة ، فصاحت وقالت : واسوأتاه ! فألبستها ثيابي وسألت اللّه في صلاتي عليها أن لا يبلي أكفانها حتّى تدخل الجنّة فأجابني إلى ذلك ، وأمّا دخولي في قبرها فإنّي قلت لها يوما : إنّ الميّت إذا أدخل قبره وانصرف الناس عنه دخل عليه ملكان : منكر ونكير فيسألانه ، فقالت : واغوثاه باللّه ، فما زلت أسأل ربّي في قبرها حتّى فتح لها باب من قبرها إلى الجنّة فصار روضة من رياض الجنّة « 2 » . وقيل : لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين عليه السّلام أقبل علي بن أبي طالب عليه السّلام باكيا فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما يبكيك ، لا أبكى اللّه عينك ؟ قال : توفّيت والدتي يا رسول اللّه ، قال له النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بل ووالدتي يا علي فلقد كانت تجوّع أولادها وتشبعني ، وتشعث أولاها وتدهنني ، واللّه لقد كان في دار أبي طالب نخلة فكانت تسابق إليها من الغداة لتلتقط ، ثمّ تجنيه - رضي اللّه عنها - فإذا خرجوا بنو عمّي تناولني ذلك ، ثمّ نهض عليه السّلام فأخذ في جهازها وكفّنها بقميصه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وكان في حال تشييع جنازتها يرفع قدما ويتأنّى في رفع الآخر ، وهو حافي القدم ، فلمّا صلّى عليها كبّر سبعين تكبيرة ، ثمّ لحدها في قبرها بيده الكريمة بعد أن نام في قبرها ، ولقّنها الشهادة ، فلمّا أهيل عليها التراب وأراد الناس الانصراف ، جعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول لها : ابنك ، ابنك ، ابنك ، لا جعفر ، ولا عقيل ، ابنك ، ابنك : علي بن أبي طالب . قالوا : يا رسول اللّه فعلت فعلا ما رأينا مثله قط : مشيك حافي القدم ، وكبّرت سبعين تكبيرة ،
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 35 / 70 - 71 ح 4 . ( 2 ) البحار : 6 / 232 ح 44 و : 35 / 81 ح 23 .